شاب طموح في مقتبل العمر يدعو دائما لمنح الفرصة للشباب لأنهم يمثلون المستقبل و ينتقد من يسميهم “الديناصورات المعمّرة” أي من سبقوه في العمل ومازالوا على رأس عملهم مع تقدمهم في السن وهم بذلك، حسب رأي الشاب، يحجبون الفرص عن الشباب. بعد عدة سنوات، يترقى الشاب في الوظيفة ويحصل على منصب أعلى فتجده قد تحول ديناصورا هو أيضا ينتقد الشباب المتسرع ويشدد على آهمية الخبرة العمل.

 

الشاب المذكور فعليا لم يغير قناعاته بمرور الزمن ولا بسبب الوظيفة الجديدة. قناعاته استمرت نفسها وهي الدعوة الى ما يفيد مصلحته الشخصية. عندما كان شابا، سيستفيد اذا تم منح الفرصة للشباب وعندما تبوأ منصبا أعلى قضت محصلته بأن ينادي بالخبرة. المشكلة دائما أن معظم دعوات تمكين الشباب في قطاع الأعمال وغيره من القطاعات تأتي على شكل مصالح. إما من الشباب أنفسهم وهو حقهم المشروع، أو من معارضي أصحاب المناصب.

 

في شركات كثيرة نجد أصحاب العمل والإدارة “يدّعون” أنهم من داعمي الشباب وإعطاء الفرص لهم كجزء من الخطط المستقبلية. ولا يُستبعد أن تتوفر دورات تدريبية لتحقيق ذلك الهدف،إلا أننا اذا نظرنا الى المعيار الحقيقي وهو معدل أعمار الموظفين نجده مرتفعا.

 

في رأيي أن قدرة أي شركة على مجاراة التطورات ترتفع وتنخفض بتغير معدل أعمار الموظفين. اذا كان المعدل مرتفعا فإن ذلك يعكس عمر الشركة اذا جاز التعبير. لا يمكن بطبيعة الحال الاستغناء عن الخبرة في العمل فهي مهمة جدا وتراكمها يُعتبر من مميزات حاملها، لكن من جهة أخرى لا يمكن الاستخفاف بأهمية عوامل الاطلاع على المستجدات ومعايشتها. على سبيل المثال، سيكون من الصعب جدا على فريق اداري مخضرم لا يضم شبابا، أن يتأقلم مع عصر وسائل التواصل الاجتماعي و أهميته في العمل.

 

الاستعاضة عن العنصر الشبابي في حالات كتلك تكون عادة بالاستعانة بشركات الاستشارات المهنية التي غالبا ما تحصل على أموال طائلة مقابل خدمات سطحية وغير فعالة. من الصعب على الشخص صاحب الخبرة الطويلة الذي لم ينشأ على التطور التكنولوجي أن يستوعب التغيرات الحاصلة لأنها ليست تقنية بل معيشية واجتماعية. النظر اليها من زاوية عملية فقط لا يكفي.

 

تحديد المستوى المناسب لمعدل الأعمار في أي شركة يعتمد على نشاطها وطريقة عملها. يتم افتراض أن الشركة شخص واحد ثم يتم وضع مواصفات ذلك الشخص وبعدها يتم محاولة الوصول الى تلك المواصفات ومن ضمنها العمر. في الشركات التكنولوجية على سبيل المثال فإن العمر المناسب قد يكون في الثلاثينات وهو بالتالي معدل الأعمار الذي من الواجب المحافظة عليه. لتستطيع الشركة الاستمرار في مواكبة التطورات، عليها أن تستقطب دائما المزيد من الشباب الذي لديه القدرة على التفاعل مع كل جديد بشكل طبيعي وفطري. اذا زاد معدل الأعمار فذلك سيعني أن قدرة المواكبة أصبحت أقل.

 

لا يعني ذلك أن يتم الاستغناء عن كل من يتقدم بالعمر، لكن يجب إيجاد وسائل سلسة للإحلال وتوفير فرص بديلة طبيعية لبعض أصحاب الخبرة. هكذا يتم التجديد في دماء الشركة وإعطاء الفرصة للأفكار الجديدة مع استمرار بعض الخبرات للمزج بين الاثنين. لا يوجد معادلة موحدة يمكن تطبيقها في كل مكان، بل على كل شركة أن تضع الأسلوب المناسب لها بطريقة خلاقة لأن ذلك يضمن الاستمرارية والتجدد. التجدد كما قلت يعتمد على النشاط وطبيعة العمل. في المستشفيات مثلا، الطبيعي والمرغوب أن يكون معدل أعمار الأطباء مرتفعا كي تغلب الخبرة على العنصر الشبابي.

 

أنصح دائما المستثمرين في أسهم الشركات بالبحث عن معلومات مشابهة لمعدل الأعمار متى أمكن ذلك، لأنه يعطي فكرة عن الأداء المستقبلي. بالتأكيد معدل الأعمار عنصر من عناصر أخرى يجب استعمالها ولا يكفي لوحده لكنه اذا استُخدم سيعطي نظرة إضافية عن الفكر الإداري.

 

فلسفة أي شركة بخصوص معدل الإعمار وطرق الإحلال يجب أن تكون واضحة جدا و عملية وقابلة للتنفيذ، وإلا فإننا سنرى استبدال “ديناصور” بـ “ديناصور” اخر، وإن كان أصغر سنا.