في معظم الدول العربية، تعودنا أن نسمع دائما شكاوى القطاع الخاص بخصوص توفير مستلزمات العمل من الجوانب القانونية والتشريعية والتنظيمية وغير ذلك. ربما كانت التجربة الاماراتية الاستثناء الوحيد لذلك في العقدين الماضيين حيث تم الانتقال من حالة إلى حالة أخرى داعمة بشكل قوي لإنشاء الشركات وتنميتها وجذب الاستثمارات. ذلك النوع من الشكوى أصبح بمرور الوقت طريقة تفكير ونمط معيشي. أي فشل شماعته جاهزة. لا يوجد نظام، لا يوجد دعم، لا يوجد تشريع، الفساد منتشر…الخ. التفكير الذي أشير إليه لا أقصد به قطاع الأعمال فقط، لكن معظم شرائح المجتمع التي تتأثر أساسا بمجتمع المال والأعمال. معظم الشكاوى غالبا محقة وأصبحت واقعا وعائقا أمام أي تطور محتمل.

 

الانتقال من واقع إلى واقع اخر ليس عملية تنظيرية ولا قرارا يصدر فيتم تنفيذه. انتقال من ذلك النوع يتطلب أولا الاعتراف بالوضع الحالي وتشخيصه ثم تحديد مكامن القوة وتحديد الوضع المستقبلي المنشود كرؤية سيتم العمل على الوصول إليها. ينطبق ذلك على أي شيء من تخطيط فردي إلى مؤسسي إلى العمل الحكومي. لا أعتقد أن الغالبية استوعبت بعد معنى رؤية السعودية 2030 بالشكل الصحيح. البعض ينظر إليها كقرارات حكومية قادمة ويريد أن يعرف كيف سيستفيد منها. البعض الاخر رأى فيها مجرد تغير في طريقة التعاطي الإعلامي. القلة حتى الان استوعبت أن الرؤية تتكلم عن تغيير شامل في طريقة العيش والعمل في المستقبل. ليس في الرؤية ما أشار إلى أن هناك حلا سحريا للانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط في الايرادات والصرف الحكومي كمحرك للعجلة الاقتصادية إلى اقتصاد لديه ايرادات أخرى يصرف منها. ولا فيها ما يقول أن المشكلة هي فقط طريقة للحصول على الايرادات تمهيدا لصرفها باستخدام الأساليب السابقة.

 

لا شك أن الرؤية ضخمة وغير مسبوقة وهذا واضح من تغطية وسائل الإعلام العالمية لها. في العالم العربي، كل من يهمه التطور والنمو كان يترقبها. الكثير من اقتصادات المنطقة تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد السعودي حيث أكبر قوة شرائية واستثمارية، لذلك فإن أثر نجاح الرؤية هو كما وصفها الأستاذ عبدالرحمن الراشد بأنها ستكون كالقاطرة التي تجر باقي العربات العربية إلى الأمام.

 

الرؤية فعليا تتكلم عن تغيير اقتصادي شامل في طريقة النظرة إلى طريقة المعيشة وممارستها. الاقتصاد هو ما يحدد طريقة العيش وأسلوب التخطيط والأحلام للفرد. عندما يجد الفرد إطارا محفزا من حوله سيحلم ويعمل لتحقيق طموحاته وطموحات من حوله. القطاع الخاص في أي مكان يتشكل في غالبيته من تلك النوعية من الأفراد الذين يستثمرون مالهم ووقتهم من أجل تحقيق ما يخططون له. كلما زادت نسبتهم في المجتمع كلما ارتفعت الانتاجية وتحققت الأهداف وتطور الاقتصاد. الشواهد في التاريخ كثيرة من حيث مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي ونجد أن معظم الاقتصادات والمجتمعات المتقدمة يساهم القطاع الخاص بالنسبة الأكبر فيها. أي حكومة لا يمكنها أن تفعل كل ذلك لوحدها. الحكومة يمكنها أن تضع الأطر التنظيمية والإدارية ليتمكن القطاع الخاص من الإبداع وتحقيق الإنجازات.

 

في رؤية السعودية 2030 جوانب عديدة لا يتسع المجال لمناقشتها هنا، إلا أن أهمها في رأيي ثلاثة عوامل شديدة الأهمية. أولها أنها ارتكزت على ما يعرف بتحليل SWOT أي أنها حددت مكامن القوة والضعف والفرص والتهديدات المحتملة. من المهم لأي رؤية أن ترتكز على ذلك وإلا فإنها لن تتعدى أن تكون حلما غير قابل للتحقيق. الأمر الثاني أنها وضعت الإنجازات المستهدفة بناء لأرقام حالية مما يعني أنه يمكن فهم الإنجاز المطلوب نسبة إلى الوضع القائم. ثالث العوامل هو موضوع قياس الأداء وهو لا يقل أهمية عن وضع الأهداف. للوصول إلى أي هدف فهو بحاجة للقياس والمتابعة بشكل مستمر كي يمكن بعدها تصحيح الخلل إن وجد أو رفع الهدف اذا كان سهلا.

 

في معظم تفاصيل الرؤية رأيت أجوبة على شكاوي القطاع الخاص السابقة. في كل البنود وجدت فرصا تتكون لمن يريد أن يستثمر وينمو ويحقق الإنجازات. القطاع الخاص ورأس المال لا يبحث عمن يقوم بالعمل نيابة عنه ولا عن من يعطيه النتائج على طبق من ذهب. القطاع الخاص هو من يقود الاقتصاد ويدفع بعجلة التنمية. هو فقط يبحث عن الإطار الذي يسمح له بالإبداع والانطلاق.

 

هناك قصص نجاح كبيرة وضخمة قام بها القطاع الخاص السعودي سابقا، ولا أشك أنه سيكون الداعم الأول والمحرك لرؤية 2030. القطاع الخاص بدأ منذ اللحظة الأولى بوضع الرؤى الخاصة به فرؤية 2030 هي رؤية طالما انتظرها القطاع الخاص.