صندوق الثروة السيادي يعرّف بأنه مجموعة من الأصول تملكها الدولة وتديرها بهدف تحقيق عوائد عليها في المدى البعيد. أي أنه ادارة لأملاك الدولة عن طريق الاستثمار وليس تنازلا عنها كما جاءت بعض التعليقات بعد إعلان إنشاء صندوق سيادي سعودي ستصل قيمة أصوله إلى 2 تريليون دولار.

 

تعليقات أخرى أيضا ركزت على تقييم المبلغ المذكور وإمكانية الوصول إليه وكأن الاستثمار وإنشاء الصندوق لا يمكن أن يحصل بأقل من تلك القيمة. البعض أيضا لم يعجبه أن الإعلان جاء من خلال إحدى أهم وسائل الإعلام الاقتصادي في العالم، إن لم تكن أهمها على الإطلاق. ذكر أيضا أن العملاق النفطي أرامكو سيتم إدراج أسهمها في البورصة عبر بيع 5% منها. في هذا الإطار أيضا لم أفهم الاعتراض على بيع حصة من الأعمال النفطية من قبل أشخاص يرددون دائما أن النفط سينضب ويجب البحث عن بدائل له. هناك مثل انجليزي يقول ما معناه أنك لا يمكنك أن تأكل الكعكة وتحتفظ بها في نفس الوقت. عليك أن تحدد ماذا تريد.

 

بعيدا عن التعليقات والجدل المتناقض، فإن الإعلان والرسائل التي رافقته كانت استراتيجية بامتياز بعيدا عن الدخول في تفاصيل الصندوق وطريقة اداراته لأن ذلك سيتم الإعلان عنه لاحقا.

 

تشهد المملكة منذ العام الماضي حراكا اقتصاديا غير مسبوق تم تأطيره في النهاية تحت مسمى برنامج التحول الوطني. بدأ المشروع ببعض الإجراءات السريعة لإعادة تنظيم أساسيات اقتصادية ثم نقاشات وورش عمل رسمت الاستراتيجية العامة والأهداف المستقبلية على أن يتم الإعلان عن مراحل البرنامج تباعا. يجب أن لا ننسى أن الاقتصاد السعودي يواجه منذ بداية انخفاض أسعار النفط تشكيكا كبيرا من الكثير من المراقبين بقدرته على الصمود والتعافي من مرحلة التراجع الحالية.

 

وصلت التشكيكات الى توقعات بالإفلاس ونفاذ السيولة، مترافقة مع تخفيضات مبالغ فيها للتصنيف الائتماني. لذلك فإن أول رسالة كانت للتأكيد على ما سبق ذكره بأن الاقتصاد السعودي ليس هشا ويملك مقومات التغير والتحول وأن الحديث في هذا الاتجاه جدي وليس للاستهلاك.

 

الرسالة الثانية كانت في المبلغ الذي تم ذكره. معظم الصناديق السيادية في العالم لا تعلن عن تفاصيل تقييم استثماراتها ولا تصدر تقارير، لذلك فإن الأرقام التي تصدر عادة تكون مبنية على تقييمات منظمات متخصصة. لا يوجد سباق اسمه أكبر صندوق في العالم، ولا يوجد جائزة لمن يحقق الريادة. لذلك فإن ذكر الأرقام هو رسالة لتوضيح الحجم مقارنة بما هو موجود حول العالم لتأكيد القدرة على تحقيق الأهداف.

 

العملاق النفطي أرامكو كان دائما للمهتمين بالاستثمارات والتقييمات في العالم لغزا كبيرا. لم يكن ممكنا الحصول على أرقام خاصة بإيرادات الشركة أو مصروفاتها أو حتى طريقة عملها إلا ما تقرر الشركة نفسها أو الحكومة الأعلان عنه. الإدراج في البورصة سيتطلب أن تقوم الشركة بالإفصاح عن الكثير من البيانات لأول مرة في التاريخ لأن الرقابة تتطلب ذلك وأيضا لأن برنامج التحول من ضمن خططه جذب الاستثمارات الأجنبية ولا تنقص أرامكو الجاذبية لاستقطاب المستثمرين إلى الأسواق السعودية. اذن، الرسالة الثالثة هي الشفافية. بمعنى أن برنامج التحول جاهز للتعامل بشفافية مع العالم الاستثماري ولا يوجد دليل أكبر من الإفصاح عن بيانات أرامكو.

 

في موضوع الوسيلة الإعلامية كان هناك انتقاد دائما أن السعودية غير حاضرة مباشرة في وسائل الإعلام العالمية لتوضيح وجهة نظرها الاقتصادية مباشرة للعالم والحديث عن خططها المستقبلية. بالإضافة الى ذلك، كان هناك انتقادات مستمرة بأن الحكومة السعودية لا تتعامل إعلاميا مع الشأن الاقتصادي بالشكل المناسب وتترك الاتهامات والتخمينات بدون رد. جاء فريق صحفي من بلومبيرغ بقيادة رئيس التحرير وأجروا حوارا مطولا مع المسؤول الاقتصادي الأول في السعودية. لم يصلهم بيان صحفي، بل حاوروا الأمير وسمعوا منه مباشرة وناقشوه بالتفصيل. الرسالة الرابعة. السياسة الإعلامية السعودية بخصوص الاقتصاد تغيرت.

 

من يريد أن يقوم بنظرة موضوعية عليه أن يقوم بمقارنة اقتصادية بين ما كان يجري في الساحة الاقتصادية قبل عام واحد فقط وما رافقه من تشكيك وخوف وقلق وما يجري الان. فرق كبير جدا. هل انتهينا وظهرت النتائج؟ لا. النتائج لا تظهر في يوم وليلة، لكن هناك الكثير الكثير من العمل الذي لم يكن موجودا في السابق.

 

الرسائل المذكورة تدل على أن أسلوب العمل بالكامل يتغير. يبقى الإعلام الاقتصادي. هل هو مواكب للتغيير؟