عندما يحصل الشخص على وظيفة جديدة وخصوصا اذا كانت خبرته قليلة أو متخرج حديثا، تنهال عليه النصائح ممن سبقوه أو من المحيطين به. معظمها يتمحور حول أن يركز على التعلم واكتساب الخبرة وعدم إحداث أي ضجيج حوله كي لا يخطيء بإعطاء صورة خاطئة عنه أو كي لا يظهر كمتمرد أو مثير للمشاكل والاعتراضات. تلك النصائح تأتي بحسن نية وهدفها ليس سيئا بكل تأكيد إلا أنها ترسخ المفهوم غير الصحيح لأسلوب تصرف الموظف وقدرته على التطور واكتساب الخبرة.

مفهوم العمل بصمت وأن التفاعل في محيط العمل ليس أمرا محمودا هو في الغالب من تأثير مجتماعتنا التي تعودت بشكل ما على تجنب أخذ المبادرات والاعتقاد بأنها فقط من اختصاص أهل الخبرة مع أننا اذا راجعنا قصص الكثير ممن نجحوا في عالم المال والأعمال عالميا سنجدهم قد بادروا وهم في سن صغيرة وخبرة ليست كبيرة لكن تسلحوا بالإيمان بقدرتهم على النجاح والتسويق لأنفسهم وأفكارهم كلما سنحت الفرصة. لا يقتصر ذلك على رواد الأعمال أو من أنشأ عمله الخاص بل ينطبق على الموظفين الذين ارتقوا في السلم الوظيفي حتى وصلوا لأعلى المناصب.

هناك فرق كبير بين أن يقوم الموظف بالتفاعل مع محيطه في العمل بشكل مهني وبين أن يحدث إزعاجا غير مطلوب لمجرد لفت الانتباه. ليس المقصود أن يتحول الموظف إلى مهرج على سبيل المثال ولا أن يقوم بأنشطة مضرة بالعمل. الموظف عليه أن يتأكد قدر الإمكان بأن وجوده ومؤهلاته وعمله في المنشأة تحت الملاحظة وليس شيئا عابرا. ليس مفيدا أن يؤدي عمله بدون أن يلاحظ أحد أنه قام بذلك. في نفس الوقت، لا يعني ذلك أن يحاول تسويق عمله اذا لم يكن جيدا أو به قصور معين.

ما سبق ليس متناقضا ولا كلاما فلسفيا وهو أيضا ليس سهل التطبيق لكن من يريد أن يصل إلى مراكز أعلى عليه أن يكون ذكيا وبارعا في اقتناص الفرص. وصف الصخب الذي أستخدمه هنا أقصد به أساسا التفاعل والمبادرة أي عكس الصمت والانزواء. عندما تبحث أي منشأة عن تطوير كادرها عن طريق الترقيات ستنظر للمؤهلات والأعمال المنجزة من الموظفين، لكنها أيضا ستعطي أهمية كبيرة للشخصية والقدرة على التفاعل. بالإضافة إلى ذلك، مهما كانت أنظمة التقييم متقدمة فإنها لن تعطي الانطباع الكامل عن قدرة الموظف كما يمكنه هو أن يعطي عن نفسه، عدا عن أن التقييم في النهاية يقوم به أشخاص يتأثرون بما يرون ويلاحظون من تصرفات.

بعض المدراء قد لا يحبون الموظف الذي يسأل كثيرا أو يدخل في نقاشات قد تكشف نقاط ضعف في الشركة أو لدى المدير لكنهم يعرفون في النهاية من هو الموظف المفيد لهم من غيره. وهم يعرفون أيضا أن من سيكون في موقع مسؤولية لا يكون صاحب شخصية انطوائية ومنزوية إلا ما ندر.

أنصح دائما أي موظف يثق بقدراته وإمكانياته أن لا يستخدم مبدأ العمل بصمت لأنه حتى لو تمت ملاحظة إنجازاته فإن ذلك سيأتي متأخرا وقد تكون الطيور حينها قد طارت بأرزاقها. وأشدد دائما على أن التسويق الذاتي ونسج العلاقات المهنية على كافة المستويات ليس عيبا على الإطلاق ولا يعتبر أسلوبا وصوليا. في حالات كثيرة سنجد أن من يصف الآخرين بالوصولية لأنهم سوقوا أنفسهم بذكاء، هم من عملوا بصمت وسبقهم غيرهم في الوصول إلى المراكز الأعلى.