في مصر يستخدم مصطلح التهريج بمعنى الاستهزاء او عدم الجدية، وفي اللغة العربية التهريج يعني التشويش أو إحداث الاضطراب ويأتي ايضا بمعنى الإضحاك. المهرج كما نعرفه في المهرجانات او في السيرك الشخص الذي يلبس أشياء غريبة وغير متناسقة ويقوم بحركات متتالية بهدف لفت نظر الناس وخصوصا الأطفال وإضحاكهم. بعد انتهاء مهمته، يحصل المهرج على أجره ثم يخلع ملابسه ويعود الى شخصيته الطبيعية. هذا بالتحديد ما أصبح شائعا من قبل المهرجين في وسائل التواصل الاجتماعي. يضعون أقنعة ويقومون بأي شيء يلفت النظر اليهم، ثم يحصلون على ما يريدون من شهرة أو متابعين وبعدها يخلعون الأقنعة للعودة الى حياتهم الطبيعية التي قد تكون غير مهمة للمتابعين.

 

المهرج أصبح من الممكن أن نجده في كل المجالات. هناك مهرجين رياضيين وفنيين واقتصاديين وسياسيين. نفس الأسلوب مع اختلاف المادة التي تقدم للتهريج. هناك أيضا المهرجين للتهريج فقط على طريقة الفن للفن. شخص مستعد أن يظهر نفسه بطريقة مهينة ومنحطة كي يحصل على عدد من متابعين أو على عدد كبير من المشاهَدات.

 

الأنكى أننا أصبحنا نشهد تحول المهرجين الى نجوم مجتمع من خلال الاحتفاء بهم واستضافتهم من قبل القنوات التلفزيونية ودعوتهم للندوات والمؤتمرات كمتحدثين. أي أن المهرج بكل بساطة أصبح يمكنه أن يتحول إلى صاحب رأي وتجربة يخبر الناس عنها. والله قد هزلت!

 

لسنا شعوبا تافهة. ولا ناقصي حضارة وفكر لنتحول الى محتفين بالمهرج. لست أدعو الى المثالية ولا أنا غافل عن أن التهريج موجود في كل مكان حول العالم، لكن التعاطي معه والاحتفاء به والتشجيع عليه ليس منا ولا يمت إلينا بصلة.

 

في عصر التواصل الاجتماعي أصبحت كل الأجيال القادمة تراقب ما يجري. تربية النشء أصعب مما مضى لأن العوامل المؤثرة عليه كثرت ولا يمكن السيطرة عليها. هناك فرق بين أن يشاهد الطفل مهرجا وبين ان يرى احتفاء كبيرا بالمهرج. ما الذي نوصله الى الأطفال عندما نحتفي بالمهرجين؟ اذا كان كل ما حولهم يشجع على التهريج، سيُصبِح اي كلام معارض لذلك بمثابة النشاز.

 

كما ذكرت قي المقدمة، المهرج موجود في كل المجالات. في الرياضة من يصول ويجول لإثارة التعصب واللعب على عواطف المشجعين هو مهرج. في الاقتصاد والاستثمار من يضلل ويدعي المعرفة ويكذب طول الوقت هو مهرج. في السياسة من يطلق كلاما تافها لتهييج الناس بدون سبب هو مهرج. وأي مجال اخر سنجد فيه مهرجين.

 

لا يمكن الطلب من المهرجين أن يتوقفوا عن تهريجهم فهم أصبحوا يمتهنون ذلك وغالبا يعتاشون منه. كما أنه من الصعب أن توضع قوانين للحد منهم لأنهم سيجدون ألف طريقة وطريقة للالتفاف عليها. يبقى الحل في مكافحة التهريج. مثلما هناك مكافحة للتدخين أو للقيادة المتهورة يجب مكافحة التهريج بنفس الحدة. أصبح التهريج شيئا نتعامل معه يوميا وهذا خطير. بدون مكافحة سيزداد أثره وسنكون أمام أجيال قادمة تستسيغ التهريج وتسعى اليه.

 

مكافحة التهريج هي فعل ذاتي وليس عمل منظم. كل منا عليه مكافحة التهريج من موقعه. لا تتابعوا اي مهرج في وسائل التواصل. لا تنشروا اي تهريج ولو كان مضحكا أو مسليا. كرروا الكلام عن مكافحة التهريج باستمرار. لن يتوقف التهريج، لكن اذا بقي بحجمه الحالي بدون أن يزيد، نكون نجحنا.