أصبحنا في العام السادس عشر من الألفية الجديدة وما زالت الغالبية العظمى من الشركات في العالم العربي تدير مواردها البشرية بأسلوب الشرطة. مع كل التعليم والتدريب والخبرات التي تراكمت في كل المجالات، يبقى مجال ادارة الموارد البشرية فيه قصور كبير جدا.

 

غريب جدا أن نرى أفرادا تعلموا وتخصصوا في ادارة الموارد البشرية عبر شهادات من ارقى الجامعات لا يطبقون شيئا مما تعلّموه أو في أحسن الأحوال يطبقون اجزاء غير مهمة لكنها مُبهرة في الشكل. يستلم الشخص منهم منصبه مديرا فينقلب فورا الى ممارس لدور سلطوي مستعرضا قوته وصلاحياته بالخصم وتهديد الموظفين بحجة فرض النظام ورفع الإنتاجية.

 

فيما مضى أجرى معي مقابلات وظيفية عدد كبير من مدراء الموارد البشرية في شركات تقدمت لوظائف لديها، بعضها كبيرة جدا و عالمية. اذا جنبت استثناءات قليلة كان الباقي إما يُجري مقابلة شكلية ولا يعرف ماذا عليه أن يسألني أو يقوم بتحقيق بوليسي بغرض فرض الهيبة تحسبا للعلاقة معه فيما بعد لو حصلت على الوظيفة. لم يقم أي منهم بتقييم مهاراتي أو خبراتي المذكورة في السيرة الذاتية. لم يحاولوا أن يستنتجوا اذا كنت مناسبا لبيئة العمل في الشركة أو ما اذا كنت قابلا للاندماج في محيط العمل الجديد. كل ذلك من أساسيات تقييم الموظف من وجهة نظر الموارد البشرية.

 

الموارد البشرية وصف أدق من شؤون الموظفين الذي كان شائعا في السابق بشكل أكبر. تغيرت التسمية ولم تتغير التصرفات والممارسات. المقصود بالتسمية الجديدة أن الموظفين لدى الشركة هم موارد أو أصول مثل أي مورد آخر تتوقع الشركة أن يعطي عائدا، وكلمة البشرية تفرقهم عن الموارد الأخرى. أي راتب يُدفع أو مصروف يخص موظف هو استثمار تقوم به الشركة. للحصول على أفضل العوائد تقوم الشركة بإدارة جميع أصولها ومواردها، سواء كانت مالية أو عينية أو غير ذلك، بأفضل طريقة لتحقيق أفضل عائد. إلا في الموارد البشرية يغفل كل ذلك.

 

المورد البشري مثل أي مورد آخر يجب أن يتم اختياره بعناية ومن ثم الاعتناء به وصيانته وتطويره وحتى استبداله اذا دعت الحاجة. بالإضافة الى ذلك، يجب على الشركة أن تحصل دائما على أفضل الموارد الموجودة في السوق وتتابع أي إصدارات جديدة من الموارد. لكن لأنها موارد بشرية وليست الاَلات أو نقود فقد نشأ علم ادارة الموارد البشرية للقيام بكل ما تقدم بما يناسب البشر.

 

شاهدت مرة شخصا درس الموارد البشرية في الغرب وعاد لاستلام منصبا مرموقا في احدى الشركات الكبرى. تعاملي معه كان بخصوص دورات تدريبية يجريها للموظفين عبر التعاقد مع شركة استشارية متخصصة في التدريب. كان من أولوياته في إجراء الدورات لائحة الحضور والتأكد من أن الجميع تواجد طوال الوقت وأنهم التزموا الأدب خلال المحاضرات. أشك أنه قد درس أن تلك الأمور من أولويات التدريب، لكنه طبقها بهذا الشكل لأنه يعتقد أن في الأمر ممارسة للسلطة. في أماكن أخرى لاحظت الاهتمام الكبير بأنظمة الكترونية تسجل الحضور وتخصم بشكل تلقائي وآلي من رواتب المتأخرين.

 

يقول جاك ويلش، الأسطورة الإدارية الذي أدار شركة جينيرال إليكتريك لسنوات طويلة، أن مدير الموارد البشرية لا يقل أهمية عن المدير المالي في الشركة. هو يقول ذلك ليس لأن المدير المذكور يتأكد من الحضور والغياب ويخصم من الرواتب، لكن لأنه يدير استراتيجية الموارد البشرية في الشركة ويشكل ركنا أساسيا من عوامل نجاح الشركة وتحقيق أهدافها.

 

تقييم الموارد البشرية عملية معقدة جدا لمن أراد أن يقوم به بشكل صحيح فهو يتطلب فهمًا عميقا لنشاطات الشركة وعملياتها من جهة وقدرة على استيعاب العوامل البشرية والنفسية والعاطفية من جهة أخرى. يجب أن يكون لدى الشركة تحليل شامل ومُحدَث باستمرار على سبيل المثال لنوعية المهارات الموجودة وعددها ومقارنتها مع احتياجات الشركة المستقبلية.

 

اذا كانت مثلا شركة صناعية تتوسع في مجال معين يحتاج الى تخصصات هندسية معينة مع خبرات محددة، يجب أن يكون هناك معرفة بعدد المهندسين الحاليين وخبراتهم ومهاراتهم والحاجة المستقبلية بعد التوسع بالإضافة الى تحديد واضح لقدرة كل منهم على الاستمرار ونوعية التدريب الذي سيحتاجه كل واحد منهم قبل الوصول للمرحلة التالية من المشاريع. اذا كان العدد لن يكون كافيا. يجب تحديد مصدر الموارد المستقبلية وطريقة الحصول عليها وكلفتها وتأثير استقطاب موارد جديدة على الموارد الحالية. من التحليل، ستظهر فجوات. المدير الاستراتيجي للموارد البشرية سيقضي وقته يخطط للتغلب على تلك الفجوات وليس في مراقبة الحضور والانصراف.

وللحديث بقية.