هناك رواية شهيرة يتم تردادها بشكل تهكمي كما يلي: يقوم راعي غنم بمراقبة قطيعه فتظهر له فجأة سيارة فارهة ينزل منها شخص بكامل أناقته يدخل معه مباشرة في حديث حول الأغنام ويقدم له عرضا مفاده أن يقوم بإخبار الراعي عن العدد الصحيح للأغنام ويأخذ إحداها اذا كان العدد صحيحا. يوافق الراعي فيبدأ الشخص عمله باستخدام عدة أجهزة كمبيوتر حديثة متصلا بمكاتب أخرى عبر الأقمار الاصطناعية ثم يخرج الة طابعة معقدة يطبع عليها تقريرا طويلا ملونا ومبهرا يسلمه للراعي ويقول له: لديك 1768 من الأغنام. يهز الراعي برأسه طالبا من ذلك الشخص أخذ إحدى الأغنام. يأخذ الشخص أحد الحيوانات لكن الراعي يستوقفه قبل أن يغادر قائلا له: إذا أخبرتك بمهنتك هل تعيد إلي الحيوان الذي أخذته؟ يوافق الشخص فيقول الراعي: أنت تعمل في الاستشارات الاقتصادية. يستغرب الشخص مجيبا: هذا صحيح، لكن كيف عرفت؟ يقول الراعي: أولا أنت ظهرت هنا بدون أن يطلبك أحد وتريد أن تحصل على مقابل لإعطائي معلومة أعرفها مسبقا ولم أسألك عنها وأنت لا تعرف شيئا عن طبيعة عملي. والآن أعد إليَّ كلب الحراسة.

 

مهنة الاستشارات في الأساس تعني أن يكون مقدمها خبيرا في مجاله ولديه القدرة على الوصول إلى معلومات وأبحاث ثم تحليلها وتقديمها بشكل يسمح لمستخدمها باتخاذ قرارات أفضل. كما أن الاستشارات موجودة في كل المجالات سواء الهندسية أو الطبية أو المالية أو أي مجال اخر. والأساس فيها كلها أن يكون المستشار ذو خبرة واسعة في مجاله بحيث أنه تعامل مع أحداث مشابهة لموضوع الاستشارة أو أجزاء منها. فمثلا الطبيب الاستشاري يكون غالبا قد شخّص وعالج حالات كثيرة جدا في السابق مما يجعله مؤهلا لتشخيص حالات جديدة بشكل أفضل من غيره.

 

في السنوات الأخيرة انتشر بشكل كبير عدد المستشارين الاقتصاديين الذين يمتهنون الاستشارات كمصدر للدخل ويؤسسون شركاتهم الخاصة لممارسة أعمالهم. الكثير من تلك الشركات تجده بعيدا عن التخصص ويقدم كافة أنواع الاستشارات حسب الطلب أو حسب متطلبات العقود التي يحصلون عليها. يمكن الدخول إلى الكثير من مواقع شركات من ذلك النوع لنجد لوائح طويلة من الخدمات التي تقدمها الشركة لكن لن نجد أي إشارة إلى سبب كون هذه الشركة فعلا لديها الخبرة أو الخلفية لتقديم تلك الخدمات. في مرات عديدة لم أجد على مواقع الشركة حتى السيرة الذاتية للمستشارين الذين يعملون لديها.

 

ذلك النوع من الشركات لو ناقشت أصحابها والقائمين عليها لوجدتهم يشتكون من سيطرة شركات الاستشارات الأجنبية على السوق وخاصة على العقود الكبيرة المطروحة. وهم يعزن ذلك إلى عقدة الأجنبي سواء عند طالب الاستشارات من الحكومة أو من القطاع الخاص. أي أن الشركات القادمة من أميركا أو من الدول الأوروبية تستأثر بالحصة الأكبر من السوق على حساب الشركات العربية التي أسسها المستشارون العرب.

 

في رأيي أن ما يقولونه صحيح مع عدم موافقتي على السبب. أي أن الشركات الأجنبية فعلا لديها حصة الأسد في سوق الاستشارات لكن السبب لا يعود لعقدة الأجنبي بل لضعف الخدمات المقدمة. تلك الوضعية الاستسلامية تسهل المنافسة على الشركات الأجنبية التي لا تعود بحاجة الى مجهود كبير لتظهر تفوقها لأن غيرها من الطارئين على مجال الاستشارات يقدمون الخدمات الضعيفة ذات الجدوى المنخفض.

 

يطالب البعض بوضع التشريعات ومنح التراخيص بشكل منظم لكل من يريد ممارسة عمل الاستشارات وهذا مهم بكل تأكيد لكنه لا يكفي برأيي. الأهم أن لا يتجه إلى العمل في مجال الاستشارات كل من لم يجد عملا أفضل، أو من عمل لعدة سنوات واعتبر أنه أصبح خبير الخبراء. لا أفهم مثلا كيف يكون أحدهم مستشارا استثماريا وخبرته العملية لا تتعدى عدة سنوات وهو لم يقم بأي استثمار في حياته. لكي يصبح اي شخص مستشارا فعليه في البداية أن يراكم الخبرات التي تجعل منه مقبولا كمستشار في نظر من يحتاج الخبرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحصول على عقود استشارية مهمة لأي شركة بحاجة لعرض الأعمال التي قامت بها سابقا وليس مجرد بعض الصور والكلام المصفوف في موقع إلكتروني.

 

الوضع الحالي في مهنة الاستشارات زاد من سيطرة الشركات الأجنبية على السوق من ناحية، ومن ناحية أخرى أصبحت النظرة للمستشارين العرب أنهم يعملون في الاستشارات لمجرد أنهم لم يجدوا عملا أفضل.