يحكي مالكوم جلادويل في كتابه “نقطة التحول” قصة شركة الأحذية “هش بابيز” وانتقالها من مرحلة كانت فيها على وشك إلغاء المنتجات نهائيا إلى مرحلة من النمو المرتفع والمتواصل. حدث ذلك في منتصف التسعينات عندما انخفضت مبيعات الأحذية، التي دخلت السوق لأول مرة في الخمسينات، إلى 30,000 زوج في السنة، لكن المستقبل تغير فجأة عندما ارتفعت المبيعات في السنة التالية 14 مرة ووصلت إلى 430,000 زوج ثم 1,700,000 زوج في السنة التي بعدها. يفسر جلادويل ما حصل كما يلي. بدأ بعض الشباب في مناطق صغيرة بارتداء الأحذية وتبعهم غيرهم، ثم استخدمها بعض الأشخاص المعروفين مقلدين أولئك الشباب الذين استخدموا هذا النوع من الأحذية لأنهم أرادوا نوعا غير منتشر بين الناس ليبدوا مختلفين. لم تقم الشركة بأي حملات إعلانية بل لم تكن على علم بما يجري إلا عندما زاد الطلب على منتجاتها. حدثت نقطة تحول في سلوك بشري فتغير مصير المنتج بالكامل.

 

نقطة التحول في علم الاجتماع تحدث عندما تقوم مجموعة من الناس بتغيير سلوك معين واستخدام أسلوب جديد كان نادرا أو مرفوضا في السابق، ويكون التغيير بشكل كبير ومتسارع وبالتالي يحدث نوع من العدوى نحو اتباع السلوك الجديد من قبل اخرين. هذا ما حدث لشركة الأحذية بالضبط. لو سألت أكبر المحللين والمختصين اذا كان من الممكن أن ترتفع مبيعات الشركة 56 مرة خلال سنتين لاعتبر ذلك مستحيلا وغير منطقي. السبب في ذلك أن التحليل والقياس يستخدم النسبية ومحاولة ربط أي تغيير محتمل بأمور معروفة سابقا. أما بوجود نقطة تحول فإن منطق النسبية لا يعود له أهمية.

 

يقول جلادويل في كتابه أيضا :”إن عالم “نقطة التحول” هو حيث يصبح غير المتوقع هو المتوقع وحيث يكون التغيير الجذري أكثر من مجرد احتمال بل واقعا حتميا”. الكتاب يذكر عدة قصص مشابهة ويحللها شارحا نقطة التحول التي كانت المؤثر في تغيير الواقع.

 

في أي عمل شخصي أو مهني أو اقتصادي يمكن البحث عن نقطة تحول أو حتى خلقها. لا يعني ذلك أن الموضوع سهل ومباشر، لكن اذا تم البحث عنها بتمعن وبتحليل عميق سيتم الوصول إليها. وللقيام بذلك علينا التخلي عن منطق النسبية والتوقعات المنطقية. قد لا يعجب ذلك من يريد أن تكون التوقعات مرتبطة بالأحداث الماضية ولكنها الحقيقة في قصص النجاح التي لم تكن متوقعة في الأساس. كل منا يعرف شخصا كان متوقعا له أن يكون فاشلا وغير منتج وانتهى به الأمر لأن يكون ناجحا جدا عكس ما توقع له كل المحيطين به. لا بد أن نقطة تحول معينة وجدت في حياته وقلبتها إيجابيا رأسا على عقب. على مستوى الشركات أيضا نسمع عن بعض منها كان على شفير الإفلاس ثم تحولت إلى شركات عملاقة. ربما تكون قصة ستيف جوبز وأبل مناسبة كمثال.

 

من ناحية أخرى، لا يجب أن يحصل التحول الكامل في يوم وليلة، لكن اذا بدأ التغيير في السلوك فإنه كما قال جلادويل سيصبح واقعا وليس احتمالا. اذا أراد الشخص منا أن يحدث تحولا في حياته سيتمكن من ذلك اذا غير من سلوكه وآمن بأن التحول واقع وليس ضربا من الخيال.

 

في الاقتصاد، نقطة التحول تصنع المعجزات والتاريخ يشهد. تغير السلوك بشكل متسارع لدى مجموعات كبيرة ينتج ما يشبه العدوى ونكون أمام تأثير يشبه تأثير الوباء الذي ينتشر بدون توقف لكن طبعا بشكل إيجابي. اذا توفرت نقطة التحول الاقتصادي وتغير السلوك بدون التمسك بمنطق الماضي والنسبية في القياس، فإننا نكون امام واقع اقتصادي مبهر. الاقتصاد العالمي تغير في العقدين الأخيرين بشكل كبير جدا. معظم التوقعات الاقتصادية الكبيرة أصبحت تخطيء أهدافها لأننا نتوقع أن النتائج المستقبلية لا بد أن تكون مرتبطة بما حصل سابقا. الأغلبية العظمى لا تقبل أي توقع اقتصادي مستقبلي اذا لم يكن قابلا للقياس بالنسبة لأحداث سابقة. لذلك، فإن من سينجح اقتصاديا هو من يتجه لتغيير السلوك بشكل متسارع ومعدٍ للآخرين ليحصل على نقطة التحول.